الخطيب الشربيني

474

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سورة المدثر مكية ، وهي خمس أو ست وخمسون آية ، ومائتان وخمس وخمسون كلمة ، وألف وعشرة أحرف . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الملك الواحد القهار الرَّحْمنِ الذي عمّ برحمته الأبرار والفجار الرَّحِيمِ الذي خص أصفياءه بما يوصلهم إلى دار القرار . ولما ختمت المزمّل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة فقال تعالى : [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 1 إلى 17 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ( 10 ) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ روي عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أوّل ما نزل من القرآن قال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قلت يقولون اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت ، فقال لي جابر : لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا عليّ ماء باردا » ، قال : فنزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الآية « 1 » ، وذلك قبل أن تفرض الصلاة ، وفي رواية « فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه » ، وفيه : فإذا قاعد على عرش في الهواء - يعني جبريل عليه السلام - فأخذتني رجفة شديدة » وعن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه قال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي ، فقال لي في حديثه : « فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا ، فقلت : زملوني زملوني فدثروني ، فأنزل الله عز وجل : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « 2 » إلى قوله : فَاهْجُرْ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4922 ومسلم في الإيمان حديث 161 . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي حديث 43 ، ومسلم في الإيمان حديث 160 .